المرأة التي كانت تترك كوبًا من الشاي لشخص لا يأتي

كل مساء، في الساعة السابعة تماما، كانت تضع كوبين من الشاي على الطاولة.

كوب لها.

وكوب آخر لشخص لم يكن موجودا.

لم يكن الأمر يحدث مرة أو مرتين.

بل كل يوم.

منذ سنوات.

وكان جارها، الذي يسكن في الشقة المقابلة، يراها من نافذته وهي تفعل الشيء نفسه دون أن تعرف أنه يراقبها.

في البداية لم يهتم.

ثم بدأ الأمر يثير فضوله.

وبعد فترة أصبح يريد معرفة شيء واحد فقط:

لمن كانت تضع كوب الشاي الثاني؟

كانت تعيش وحدها

اسمها نوال.

امرأة في أواخر الخمسينات، هادئة جدا، قليلة الكلام، ولا يراها الجيران إلا نادرا.

تخرج صباحا لشراء احتياجاتها، تعود قبل الظهر، ثم تقضي بقية اليوم داخل شقتها.

لم يكن يزورها أحد تقريبا.

لكن في السابعة مساء، كانت تتغير عادتها.

تغسل كوبين.

تضع السكر في أحدهما.

ثم تسكب الشاي.

وتجلس أمام الكوبين.

أحيانا تتحدث.

وأحيانا تضحك.

وأحيانا تبقى صامتة تماما.

الرجل الذي بدأ يلاحظ

كان جارها اسمه سامح.

رأى نوال أكثر من مرة وهي تفعل الشيء نفسه.

وفي إحدى الليالي قال لنفسه:

"أكيد حد بييجي لها بعد ما أنا ما بشوفوش."

لكن الفكرة لم تكن منطقية.

لأنه كان يمر أمام باب شقتها باستمرار.

ولم ير شخصا يدخل إليها في هذا الموعد.

بدأ الأمر يزداد غرابة.

ذات مساء تركت الستارة مفتوحة

جلس سامح في شقته دون أن يقصد مراقبتها.

لكن عينيه اتجهتا نحو النافذة.

كانت نوال جالسة أمام الطاولة.

الكوبان أمامها.

ثم فعلت شيئا لم تفعله من قبل.

رفعت الكوب الثاني.

وقالت:

"اتأخرت النهارده."

توقفت قليلا.

ثم ضحكت.

وقالت:

"عارفة إنك مش بتحب الشاي لما يبرد."

وضع سامح يده على النافذة.

لم يكن هناك أحد.

لا في الغرفة.

ولا خلفها.

هل كانت تتحدث إلى شخص غير موجود؟

في اليوم التالي، ظل سامح يفكر في الأمر.

ربما كانت تتحدث في الهاتف.

ربما هناك شخص يجلس في مكان لا يستطيع رؤيته.

ربما كانت مجرد عادة غريبة.

لكنه قرر ألا يتدخل.

حتى جاءت ليلة شديدة المطر.

سمع سامح طرقا على باب شقته.

فتح الباب.

كانت نوال تقف أمامه.

وقالت:

"معلش لو أزعجتك."

قال:

"ولا يهمك."

سكتت قليلا.

ثم قالت:

"ممكن أسألك حاجة؟"

"اتفضلي."

قالت:

"أنت بتشوفني كل يوم وأنا بحط الشاي، صح؟"

لم يعرف ماذا يقول.

ثم ابتسم وقال:

"أحيانا."

السؤال الذي لم يتوقعه

قالت نوال:

"عمرك سألت نفسك بحط الكوباية التانية ليه؟"

قال سامح:

"بصراحة، آه."

ابتسمت.

"تعالى بكرة."

"على السابعة."

ثم عادت إلى شقتها.

تركته واقفا أمام الباب وهو لا يفهم شيئا.

في السابعة مساء

في اليوم التالي، طرق سامح باب نوال.

فتحت له.

كانت الطاولة جاهزة.

كوبان من الشاي.

قالت:

"اقعد."

جلس.

سألها:

"هو أنا الشخص اللي بتحطي له الكوباية؟"

ضحكت.

"لا."

ثم أشارت إلى الكرسي المقابل له.

"المكان ده كان مكان ابني."

الابن الذي لم يعد

ساد الصمت.

قالت نوال:

"ابني اسمه كريم."

"كان بيقعد هنا كل يوم."

"كان يحب الشاي بطريقة معينة."

"وكان دايما يتأخر."

ابتسمت وهي تتذكر.

"كنت كل يوم أزعق له وأقول له الشاي برد."

سألها سامح:

"فين هو؟"

نظرت إلى الكوب.

وقالت:

"مش هنا."

لكن القصة لم تنته

توقع سامح أن تقول إن ابنها توفي.

لكنه فوجئ عندما قالت:

"كريم مسافر."

قال سامح:

"مسافر من زمان؟"

هزت رأسها.

"من 17 سنة."

نظر إليها بدهشة.

"وما رجعش؟"

قالت:

"ولا مرة."

لماذا تركت له كوب الشاي؟

قالت نوال:

"في أول سنة كنت مستنياه فعلا."

"بعدها فهمت إنه يمكن مش هيرجع."

"لكن الكوباية فضلت مكانها."

سألها سامح:

"يعني لسه مستنياه؟"

قالت:

"لا."

ثم سكتت.

وأكملت:

"أنا بس مش عايزة آخر حاجة بيني وبينه تكون كرسي فاضي."

الجملة التي بقيت في ذهن سامح

لم يفهم سامح الجملة في البداية.

لكن نوال شرحت له.

"لما حد يمشي من حياتك، الناس كلها بتقول لك انسى."

"لكن أنا مش عايزة أنسى."

"في فرق بين إنك تستنى شخص يرجع، وإنك تفتكر إنه كان هنا."

ثم رفعت كوب الشاي.

"الكوباية دي مش عشانه."

"دي عشاني أنا."

"عشان أفتكر إن في يوم كان في حد بيقعد هنا."

سامح اكتشف شيئا آخر

قبل أن يغادر، سألها:

"طب هو ليه مش بيرجع؟"

نظرت إليه طويلا.

ثم قالت:

"يمكن لأنه مش عارف إن الكوباية لسه موجودة."

كانت الجملة بسيطة.

لكنها بقيت في رأس سامح طوال الليل.

بعد شهر

تغيرت حياة سامح بطريقة لم يتوقعها.

بدأ يتحدث أكثر مع نوال.

وأصبح يجلس معها أحيانا في السابعة.

كوبان من الشاي.

لكن هذه المرة لم يعد الكرسي الثاني فارغا دائما.

كان سامح يجلس أحيانا مكان كريم.

ومع مرور الوقت بدأت نوال تضحك أكثر.

تحدثه عن ابنها.

عن طفولته.

عن أول يوم دخل فيه المدرسة.

عن عاداته الغريبة.

وعن الأشياء الصغيرة التي لا يعرفها عنه أحد.

ثم حدث شيء لم يتوقعه أحد

بعد أشهر، وفي الساعة السابعة إلا قليلا، رن جرس الباب.

كانت نوال في المطبخ.

قالت لسامح:

"افتح يا ابني."

فتح الباب.

كان هناك رجل يقف أمامه.

رجل في منتصف الثلاثينات.

يحمل حقيبة سفر.

وينظر إلى داخل الشقة وكأنه يعرف كل شيء فيها.

قال:

"ماما موجودة؟"

تجمد سامح.

ثم التفت إلى نوال.

خرجت من المطبخ.

رأت الرجل.

سقط الكوب من يدها.

لم تقل شيئا.

الرجل أيضا لم يتكلم.

فقط فتح ذراعيه.

وركضت إليه.

في تلك الليلة كان هناك ثلاثة أكواب

وضعت نوال الشاي على الطاولة.

ثلاثة أكواب.

جلست هي في مكانها.

جلس كريم في مكانه القديم.

أما سامح فجلس في الكرسي الثالث.

نظر كريم إلى أمه وقال:

"لسه بتحطي الشاي زي زمان؟"

ضحكت وهي تبكي.

"وأنت لسه بتتأخر زي زمان."

لماذا كانت تترك كوب الشاي؟

لم تكن تعرف أن ابنها سيعود.

ولم تكن تعيش على وعد بأنه سيعود.

كانت فقط ترفض أن تجعل الغياب يمحو كل شيء.

وفي بعض الأحيان، لا نحتفظ بالأشياء القديمة لأننا نعيش في الماضي.

نحتفظ بها لأن الماضي جزء منا.

صورة قديمة.

كرسي في مكانه.

رسالة.

رائحة بيت.

أو حتى كوب شاي يبرد كل مساء.

الأشياء الصغيرة التي تبدو بلا قيمة للآخرين قد تحمل داخلنا قصصا كاملة.

وربما لديك أنت أيضا كوب شاي

ليس بالضرورة كوب شاي حقيقيا.

ربما لديك شيء آخر.

مكان تجلس فيه دائما.

صورة لا تستطيع حذفها.

رسالة تحتفظ بها.

أغنية تذكرك بشخص.

أو عادة صغيرة لا يعرف أحد معناها.

لا تخجل من ذلك.

فبعض الذكريات لا نحتفظ بها لأنها تؤلمنا.

بل لأنها تذكرنا أننا أحببنا يوما.

قد يعجبك أيضا:

الأسئلة الشائعة (FAQ)

هل قصة المرأة التي تترك كوب الشاي حقيقية؟

لا، القصة خيالية ومكتوبة من أجل القراءة والتأمل، وليست حكاية موثقة عن شخص حقيقي.

لماذا كانت المرأة تترك كوب الشاي الثاني؟

كانت تتركه كتذكار لابنها الغائب، لأن الكوب بالنسبة إليها أصبح رمزا لوجوده في حياتها وذكرياتها معه.

هل الاحتفاظ بأشياء شخص غائب يعني أننا عالقون في الماضي؟

ليس بالضرورة. الاحتفاظ بصورة أو غرض مرتبط بذكرى قد يكون مجرد طريقة شخصية للاحتفاظ بجزء من الماضي، ولا يعني بالضرورة عدم القدرة على مواصلة الحياة.

ما الرسالة الأساسية في القصة؟

تتناول القصة أثر الذكريات في حياتنا، وكيف يمكن لأشياء بسيطة جدا أن تحمل قيمة عاطفية كبيرة بالنسبة لمن عاش تجربة مرتبطة بها.

تعليقات