لو فتحت هاتفك اليوم ورأيت شخصا اشترى بيتا، وآخر بدأ مشروعا، وثالثا تزوج، ورابعا سافر، وخامسا أعلن عن نجاح جديد، بينما أنت ما زلت واقفا في المكان نفسه، فربما شعرت للحظة أن الجميع يتحركون وأنت وحدك لا تزال تنتظر.
قد تنظر إلى حياتك وتسأل نفسك: ماذا فعلت بكل هذه السنوات؟ لماذا لم أصل إلى ما وصل إليه الآخرون؟ وهل فاتني الوقت؟
قبل أن تكمل هذه الفكرة داخل رأسك، توقف قليلا.
هذه الكلمات ليست وعدا بأن كل شيء سيتغير غدا، وليست جملة جاهزة من نوع «لا تستسلم وستصبح مليونيرا».
هي فقط تذكير بشيء ربما ننساه عندما ننظر كثيرا إلى حياة الآخرين:
أنت لا ترى القصة كاملة.
أنت ترى النتيجة فقط
عندما ترى شخصا ناجحا، غالبا ما ترى الصورة الأخيرة فقط.
ترى المشروع بعد أن أصبح معروفا.
ترى الوظيفة بعد أن حصل عليها.
ترى البيت بعد أن اشتراه.
ترى الزواج بعد أن تم.
ترى الجسد بعد سنوات من التدريب.
لكن الصورة لا تخبرك بعدد المرات التي فشل فيها ذلك الشخص.
لا تخبرك عن الأيام التي عاد فيها إلى بيته وهو مقتنع بأنه لن ينجح.
ولا تخبرك عن القرارات التي ندم عليها، أو الفرص التي ضاعت منه، أو السنوات التي شعر خلالها أنه متأخر عن الجميع.
أنت تقارن الفصل الأول من قصتك بالفصل الأخير من قصة شخص آخر.
في مساء عادي جدا
كان كريم في الثامنة والعشرين عندما جلس وحده في غرفته ذات ليلة.
فتح هاتفه دون هدف.
مر على منشور لصديق قديم يعلن عن سفره.
بعده منشور لشخص آخر بدأ وظيفة جديدة.
ثم صورة لزميل قديم مع زوجته وطفله.
أغلق الهاتف.
فتح الكمبيوتر.
ثم أغلقه.
وقف أمام المرآة.
وقال بصوت منخفض:
«أنا عملت إيه في حياتي؟»
لم يكن السؤال جديدا.
لكنه في تلك الليلة كان أثقل من المعتاد.
جلس على حافة السرير وبدأ يحسب.
سنوات الدراسة.
الوظائف التي لم تستمر.
الأفكار التي بدأها ولم يكملها.
الأموال التي لم يستطع ادخارها.
الأشخاص الذين ابتعدوا عنه.
والأشياء التي كان يظن أنه سيحققها قبل أن يصل إلى هذا العمر.
اكتشف أن قائمته أطول مما كان يتمنى.
مكالمة في منتصف الليل
في الساعة الثانية عشرة وسبع عشرة دقيقة، رن هاتف كريم.
كان صديقه القديم ياسر.
رد كريم بصوت متعب.
«أيوه؟»
قال ياسر:
«إنت صاحي؟»
«آه.»
«مالك؟ صوتك غريب.»
تردد كريم قليلا.
ثم قال:
«حاسس إني اتأخرت.»
سكت ياسر.
ثم سأله:
«عن مين؟»
«عن الناس كلها.»
ضحك ياسر ضحكة قصيرة.
وقال:
«إنت فاكر إن الناس كلها ماشية في سباق واحد؟»
لم يرد كريم.
أكمل ياسر:
«فاكرني أنا كمان وصلت بدري؟»
قال كريم:
«أيوه. أنت شغال كويس وعندك بيت وحياتك مستقرة.»
قال ياسر:
«إنت شايف الجزء اللي بحكيه للناس.»
ثم صمت للحظات.
«لكن مش شايف اللي حصل وأنا لوحدي.»
هناك أشياء لا تظهر في الصور
حكى ياسر لكريم عن سنة كاملة لم يخبر بها أحدا.
قال إنه كان وقتها مديونا.
وأن المشروع الذي بدأه فشل.
وأنه اضطر إلى الاستدانة من شخص قريب منه.
وأنه كان يعود إلى منزله في بعض الأيام وهو لا يعرف كيف سيدفع مصاريف الشهر.
قال كريم:
«بس أنا عمري ما شفت ده.»
قال ياسر:
«لأني ما كنتش بنشره.»
ساد الصمت.
ثم قال:
«وده مش معناه إني أفضل منك. ولا معناه إنك لازم تبقى زيي. بس معناه إن الصورة اللي عندك عن حياة الناس ناقصة.»
ليس كل تأخير فشلا
هناك فرق كبير بين أن تكون متأخرا عن الموعد الذي وضعته لنفسك، وبين أن تكون فاشلا.
قد تكون خطتك الأصلية غير مناسبة لك.
قد تكون بدأت من ظروف مختلفة.
قد تكون قضيت سنوات في محاولة النجاة بدلا من بناء المستقبل.
قد تكون أخطأت.
وقد تكون ببساطة لم تعرف حتى الآن ما الذي تريده فعلا.
كل هذا لا يمنحك ضمانا بأن النجاح سيأتي.
لكنه يعني أن الرقم الموجود في عمرك لا يستطيع وحده أن يخبرك بقيمة ما فعلته.
توقف عن استخدام حياة الآخرين كساعة
أحد أكثر الأشياء التي ترهق الإنسان أن يجعل حياة الآخرين مقياسا لوقته.
فلان تزوج في الخامسة والعشرين.
فلان أصبح غنيا في الثلاثين.
فلان اشترى سيارة.
فلان سافر.
فلان لديه آلاف المتابعين.
ثم تنظر إلى نفسك وتسأل:
«وأنا فين؟»
لكن السؤال الأهم ربما يكون:
«أنا عايز أوصل لفين أصلا؟»
لأنك قد تقضي سنوات تطارد شيئا فقط لأن الآخرين يملكونه، ثم تكتشف عندما تصل إليه أنه لم يكن الشيء الذي تريده.
ابدأ من المكان الذي تقف فيه
لا تحتاج إلى إعادة بناء حياتك كلها في يوم واحد.
لا تحتاج إلى خطة ضخمة من خمسين صفحة.
ولا تحتاج إلى أن تصبح شخصا مختلفا غدا.
ابدأ بشيء واحد.
تعلم مهارة.
ابحث عن عمل أفضل.
رتب ديونك.
أنشئ مشروعا صغيرا.
اقرأ كتابا.
اعتن بعلاقة مهمة.
توقف عن عادة تؤذي وقتك.
أي خطوة حقيقية أفضل من عشرات الساعات التي تقضيها في مقارنة نفسك بالآخرين.
وفي اليوم التالي
استيقظ كريم في السابعة صباحا.
كان كل شيء كما هو.
لم يصبح غنيا.
لم تتغير وظيفته.
ولم تختف مشكلاته.
لكنه فعل شيئا مختلفا.
بدلا من فتح هاتفه ومشاهدة حياة الآخرين، أخذ ورقة وكتب ثلاثة أشياء:
ما الذي أملكه الآن؟
ما الذي أريد تغييره؟
ما أول خطوة أستطيع تنفيذها اليوم؟
لم تكن القائمة مبهرة.
لكنها كانت حقيقية.
وفي أسفل الورقة كتب جملة واحدة:
«لن أقيس حياتي بسرعة الآخرين.»
بعد عام
لم تتحول حياة كريم إلى قصة مثالية.
بعض الأشياء نجحت.
وأشياء أخرى فشلت.
لكنه عندما نظر إلى الورقة القديمة، اكتشف شيئا لم ينتبه إليه أثناء الطريق.
لم يكن قد وصل إلى كل ما يريد.
لكنه لم يعد في المكان نفسه.
وهذا وحده كان كافيا ليجعله يفهم أن التقدم لا يبدو دائما كبيرا أثناء حدوثه.
أحيانا لا تلاحظ أنك تتغير لأنك ترى نفسك كل يوم.
لكن بعد سنة، تنظر إلى الوراء فتكتشف أنك الشخص الذي كان يتمنى أن تكونه قبل سنة.
إذا كنت تشعر أنك تأخرت
لا أستطيع أن أعدك بأن الطريق سيكون سهلا.
ولا أستطيع أن أقول لك إن الوقت ليس مهما.
فالوقت مهم، والفرص تختلف، والظروف ليست متساوية بين الناس.
لكن هناك شيء تستطيع فعله مهما كان موقعك الآن:
توقف عن إهدار الوقت المتبقي في الحزن على الوقت الذي مضى.
ما مضى أصبح جزءا من قصتك.
يمكنك أن تتعلم منه، أن تندم عليه، أن تسامح نفسك بسببه، لكنك لا تستطيع العودة إليه.
أما اليوم، فما زال في يدك.
لا تحتاج إلى أن تسبق الجميع
ربما لا توجد ساعة عالمية تقول إنك يجب أن تتزوج في عمر معين، أو تصبح غنيا في عمر معين، أو تصل إلى وظيفة محددة قبل أن تنتهي الفرصة.
هناك أشياء لها توقيتات واقعية وضغوط اجتماعية ومسؤوليات حقيقية، نعم.
لكن مقارنة حياتك باستمرار بحياة الآخرين لن تجعل الطريق أقصر.
ستجعلك فقط أقل قدرة على رؤية الخطوة الموجودة أمامك.
لا تسأل كل صباح:
«لماذا لم أصل بعد؟»
جرب أن تسأل:
«ما الشيء الصغير الذي أستطيع أن أفعله اليوم ويجعل الغد مختلفا قليلا؟»
ثم افعله.
وفي النهاية
إذا كنت تقرأ هذه الكلمات وتشعر أنك تأخرت عن الجميع، تذكر شيئا واحدا:
أنت لا تحتاج إلى الفوز في سباق لم تختره.
ولا تحتاج إلى إثبات قيمتك من خلال مقارنة نفسك بشخص آخر.
يمكنك أن تكون متأخرا عن خطتك القديمة، ومع ذلك تكون في بداية شيء أفضل.
يمكنك أن تكون قد أخطأت كثيرا، ومع ذلك تتعلم.
يمكن أن تكون خسرت سنوات، ومع ذلك لا تزال تملك سنوات أخرى.
والأهم أنك لا تحتاج إلى معرفة شكل النهاية حتى تبدأ الخطوة التالية.
فقط خذ الخطوة.
ثم التي بعدها.
وعندما تنظر إلى الوراء بعد وقت طويل، قد تكتشف أن أكثر فترة ظننت فيها أنك لا تتحرك كانت في الحقيقة الفترة التي كنت فيها تتغير.
سؤال لك
لو كان بإمكانك أن ترسل رسالة قصيرة إلى نفسك قبل خمس سنوات، من دون أن تغير أي شيء في الماضي، ماذا ستقول لها؟
اكتبها لنفسك.
ربما تكون الإجابة التي تبحث عنها منذ فترة موجودة في تلك الرسالة.
قد يعجبك أيضاً
- ماذا لو استيقظت ذات صباح ولم يتذكرك أحد؟
- ماذا لو استطعت معرفة الحقيقة من كل شخص تقابله؟
- رسالة إلى نفسي القديمة
الأسئلة الشائعة (FAQ)
ماذا أفعل إذا شعرت أنني تأخرت عن الآخرين؟
ابدأ بتحديد الشيء الذي تريد تغييره فعلا، ثم اختر خطوة صغيرة قابلة للتنفيذ بدلا من مقارنة نفسك باستمرار بإنجازات الآخرين.
هل التأخر في تحقيق الأهداف يعني الفشل؟
ليس بالضرورة. التأخر عن الخطة التي وضعتها لنفسك لا يساوي تلقائيا الفشل، فقد تتغير الظروف أو الأهداف أو الطريق نفسه.
كيف أتوقف عن مقارنة حياتي بالآخرين؟
قلل الوقت الذي تقضيه في متابعة المقارنات، وركز على أهدافك الفعلية وما تستطيع إنجازه الآن، مع الاعتراف بأن ظروف الناس وطرق حياتهم مختلفة.
